خاص – Defense Arabia
كشفت الجولة الأخيرة من التصعيد الإقليمي عن ثغراتٍ بنيوية في معمارية الدفاع الجوي الخليجية. فعلى مدى أسابيع من الضربات المكثفة التي مزجت بين الصواريخ الباليستية والمجنحة وأسراب المسيّرات الانتحارية، وجدت السعودية والإمارات وقطر نفسها في وضعية دفاعٍ عالي الوتيرة، كشفت، إلى جانب نقاط القوة، عن قيودٍ هيكلية في منظوماتها القائمة.
وتتمحور الإشكالية في أنّ الدفاعات الخليجية، المُحسَّنة تاريخياً لمواجهة التهديدات الراقية والمرتكزة على المنصات الأمريكية مثل «باتريوت» و«ثاد»، ليست مُهيّأة للاشتباكات المطوّلة عالية الحجم وغير المتكافئة في التكلفة. فاستنزاف صاروخٍ اعتراضي تبلغ كلفته ملايين الدولارات لإسقاط مسيّرةٍ رخيصة معادلةٌ اقتصادية خاسرة على المدى الطويل، وقد أفضت إلى سحبٍ متسارع لمخزونات الصواريخ الاعتراضية وقلقٍ متصاعد بشأن استدامة النموذج الدفاعي القائم.
وزاد الطين بلّةً ما نقلته تقارير صحفية عن «تلكؤٍ» أمريكي في تلبية طلبات بعض دول الخليج لإعادة تعبئة مخزوناتها. ووفق ما أوردته وسائل إعلام غربية نقلاً عن مصادر مطّلعة، فإنّ تقديراتٍ داخلية تحدثت عن إمكان نفاد مخزون قطر من صواريخ «باتريوت» الاعتراضية خلال أيام عند معدلات الاستخدام المرتفعة، وهي معطياتٌ تُنسب إلى مصادرها الأصلية ولم تؤكَّد رسمياً. هذا السياق بالذات هو ما يدفع نحو التفكير الجدّي في تنويع الموردين والطبقات الدفاعية، ويعيد منظومة الدفاع الجوي الألمانية متوسطة المدى «آيريس-تي إس إل إم» إلى دائرة الاهتمام الخليجي.

سابقة مصرية وانفتاح سعودي.. الأرضية موجودة
لا تبدأ علاقة «آيريس-تي» بالشرق الأوسط من نقطة الصفر. فمصر تُعدّ من أوائل المشغّلين لمنظومة «آيريس-تي إس إل إم» خارج إطار المبادرة الأوروبية؛ إذ عُرضت المنظومة علناً للمرة الأولى خلال فعاليةٍ عسكرية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، لتنضمّ إلى المعمارية الدفاعية المصرية متعددة الطبقات. بل إنّ أولى الكتائب التي تسلّمتها أوكرانيا كانت في الأصل مخصّصةً للطلب المصري قبل إعادة توجيهها، وفق ما أوردته تقارير متخصصة.
أما على الجبهة الخليجية، فقد أعلنت ألمانيا والسعودية في يناير/كانون الثاني 2024 خططاً لشراء الرياض صواريخ «آيريس-تي»، في صفقةٍ حملت دلالةً سياسية مضاعفة، إذ شكّلت أول مبيعات أسلحة ألمانية للمملكة منذ عام 2018، حين فرضت برلين حظراً على تصدير السلاح إليها. وتشير تحليلات إلى أنّ السعودية أبدت اهتماماً محتملاً بالنسخة الأرضية باعتبارها بديلاً أوروبياً أكثر اقتصاداً مقارنةً بإضافة بطاريات «باتريوت» جديدة. ومن الإنصاف القول إنّ هذا الاهتمام يبقى في خانة التقييم والمؤشرات لا العقود المُبرمة.
ويُضاف إلى ذلك أنّ السعودية سبق أن اقتنت صاروخ «آيريس-تي» في نسخته جو-جو لتسليح مقاتلاتها من طراز «يوروفايتر تايفون»، ما يعني وجود ألفةٍ تقنية مسبقة مع عائلة الصواريخ الألمانية، وهو عاملٌ قد يُسهّل أي توجّهٍ مستقبلي نحو النسخة الأرضية.

الفرص والقيود.. قراءة متوازنة
تتقاطع عدة عوامل لصالح طرح المنظومة الألمانية خياراً خليجياً. أولها التنويع الاستراتيجي بعيداً عن الاعتماد شبه الحصري على واشنطن، خصوصاً في ظل المخاوف من بطء إعادة التزويد. وثانيها السجل القتالي في أوكرانيا ضد الصواريخ المجنحة والمسيّرات، وهي تحديداً فئة التهديدات التي تؤرق دول الخليج اليوم. وثالثها الكلفة الأكثر اعتدالاً نسبياً مقارنةً بالطبقات الأمريكية العليا، بما يخدم منطق «عمق المخزن» في مواجهة الأعداد الكبيرة من الأهداف الرخيصة.
في المقابل، تبرز قيودٌ جوهرية. فالمنظومة، بمداها البالغ نحو 40 كيلومتراً، تمثّل طبقةً متوسطة المدى لا بديلاً عن منظومات الاعتراض الباليستي العليا مثل «ثاد» أو «باتريوت بي إيه سي-3»؛ أي إنّها تُكمّل المعمارية الخليجية ولا تحلّ محلها. ويعتمد باحثها على الأشعة تحت الحمراء، وهو ما قد يتأثر أداؤه في ظروف الغبار والرمال والحرارة المرتفعة المميِّزة للبيئة الخليجية، وإن كانت المنظومة مصمَّمة لمقاومة الخداع الحراري.
ويبقى التحدّي الأبرز لوجستياً وصناعياً: فقوائم انتظار «دييل ديفنس» ممتدة حتى عام 2030، وضغط الطلب الأوروبي والأوكراني هائل. وأي مشترٍ خليجي جديد سيجد نفسه في طابورٍ مزدحم، ما لم تُفضِ مفاوضاتٌ خاصة إلى أولويةٍ في الإنتاج أو تصنيعٍ محلي جزئي، وهو المسار الذي تميل إليه عواصم الخليج ضمن استراتيجيات التوطين الدفاعي.
ماذا تتسلّم إستونيا؟.. المنظومة التي تتمدد عبر أوروبا
يستند الزخم الراهن حول «آيريس-تي» إلى انتشارها المتسارع في القارة الأوروبية. فقد استقبلت القوات الجوية الإستونية، في 22 يونيو/حزيران 2026، أول كتيبة من المنظومة في قاعدة آماري الجوية، في خطوةٍ وصفتها وزارة الدفاع في تالين بأنها أكبر استثمار دفاعي في تاريخ البلاد. وبحسب «المركز الإستوني لاستثمارات الدفاع» (ECDI)، الذي أدار صفقة الشراء مع الشركة الألمانية «دييل ديفنس»، فقد بلغت قيمة العقد نحو 400 مليون يورو، يشمل 3 وحدات إطلاق، وصلت أولاها فيما تُسلَّم الوحدتان المتبقيتان في عام 2027.
صُمّمت منظومة «آيريس-تي إس إل إم» لاعتراض الطائرات المقاتلة والمروحيات والصواريخ المجنحة والمسيّرات على مدى يصل إلى نحو 40 كم، وارتفاعٍ يقارب 20 كم. وتتألف الوحدة النارية الواحدة من عدة قاذفات، ورادار، ومركز قيادة وسيطرة تكتيكي، إضافةً إلى مركبات الدعم اللازمة للصيانة وإعادة التذخير. وتكمن الميزة التقنية الأبرز في باحث التصوير بالأشعة تحت الحمراء، الذي يمنح المنظومة قدرةً متقدمة على تمييز الأهداف منخفضة البصمة.

ووفق بيانات «دييل ديفنس»، تشير المعطيات التشغيلية من عمليات الانتشار السابقة، لا سيما في أوكرانيا، إلى معدل اعتراضٍ يتجاوز 95%. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الرقم صادر عن الشركة المُصنّعة، فيما يتحدث مشغلون أوكرانيون عن معدلات تقترب من 99%، وهي أرقامٌ يصعب التحقق منها بصورة مستقلة وتظل في إطار الروايات التشغيلية لا التقييمات المحايدة.
وتندرج عملية التسليم ضمن إطار «مبادرة درع السماء الأوروبية» (ESSI) التي أطلقتها ألمانيا في عام 2022. وتضمّ المبادرة حالياً 23 دولة، اختارت 8 منها، هي ألمانيا وإستونيا ولاتفيا وسلوفينيا وبلغاريا والسويد والدنمارك وسويسرا، منظومة «آيريس-تي إس إل إم» تحديداً. وقد دخلت تالين في اتفاق شراءٍ مشترك مع لاتفيا، التي أبرمت بدورها طلباً بقيمة 600 مليون يورو مع «دييل ديفنس»، في تجسيدٍ لمنطق بناء شبكة دفاعٍ جوي متعددة الطبقات على امتداد منطقة البلطيق.
خاتمة: طبقةٌ مكمِّلة لا بديلٌ سحري
تتقاطع أمام صنّاع القرار في الرياض وأبوظبي والدوحة ألفةٌ تقنية قائمة، ومؤشراتٌ سياسية منفتحة، وضغطٌ تشغيلي يدفع نحو تنويع الموردين. لكن المنطق الاقتصادي والاستراتيجي يضع «آيريس-تي» في خانة الطبقة المكمِّلة ضمن دفاعٍ متعدد المصادر، لا الحل السحري الذي يُغني عن المنظومات العليا.
ويبقى الفيصل في ما إذا كانت هذه الألفة التقنية والمؤشرات السياسية ستُترجَم إلى عقودٍ فعلية، أم تظلّ خياراً مُغرياً على الورق تعرقله قوائم الانتظار الممتدة حتى 2030 والحسابات الجيوسياسية الأعقد.






