أعلنت شركة أسيلسان (ASELSAN) التركية، اليوم الثلاثاء، توقيع عقد جديد مع شركة روكيتسان (ROKETSAN) بقيمة 1.234 مليار يورو لتوريد مكوّنات فرعية تدخل في تصنيع أنظمة الدفاع الجوي، في خطوة تندرج ضمن مظلة الدفاع الجوي التركية متعددة الطبقات المعروفة باسم “تشيليك كوبه” (Çelik Kubbe) أو “القبة الفولاذية”. ولم تكشف الشركتان عن الأنظمة المحددة التي يغطيها العقد، إلا أن توقيته يأتي بعد أسابيع قليلة من إعلان الرئاسة التركية تخصيص 24 مليار دولار إضافية لبرنامج الدفاع الجوي والصاروخي الوطني.
تفاصيل الصفقة: أرقام مُعلنة وتفاصيل غائبة
يكشف البيان الذي نشرته أسيلسان عبر منصة الإفصاح العام التركية (KAP) أن إجمالي قيمة العقد يبلغ 1,234,210,000 يورو، مخصص لتوريد مكوّنات فرعية تُستخدم في منظومات الدفاع الجوي. ونقلت وسائل إعلام اقتصادية تركية متعددة، من بينها موقعا CNBC-e وBloomberg HT، الرقم ذاته، فيما أشار موقع DefenceTurk إلى أن الصفقة تندرج ضمن السلسلة المتصاعدة من عقود القبة الفولاذية الموقّعة منذ خريف 2025.
لم يُفصح البيان الرسمي عن الجدول الزمني للتسليم ولا عن العميل النهائي للمكوّنات، وهي ممارسة معتادة في إفصاحات أسيلسان لهذا النوع من العقود الداخلية بين الشركات الحكومية التركية، إذ تكتفي الشركة عادة بالإشارة إلى أن العقد الجديد سيُسهم إيجاباً في إيراداتها المستقبلية دون تفصيل تقني إضافي.

ما هي منظومة القبة الفولاذية؟
تربط منظومة القبة الفولاذية، وهي البنية التركية الوطنية للدفاع الجوي والصاروخي متعدد الطبقات، جميع أنظمة الاستشعار والاعتراض ذات المديات المختلفة ضمن صورة جوية موحدة تُدار عبر شبكة قيادة وسيطرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاعتماد على منظومة اعتراض واحدة. وتشمل مكوّناتها الرئيسية: “قورقوت” (KORKUT) للدفاع الجوي قريب المدى بمدفع 35 ملم، و”غُرز” (Gürz) و”سُنغُر” (Sungur) للمديات القصيرة، و”هيسار-A+” و”هيسار-O+” للمديين القريب والمتوسط، إضافة إلى “سيبر” (SİPER) الذي يمثل الطبقة بعيدة المدى في المنظومة.
وتتولى أسيلسان الدور الصناعي القيادي بالتنسيق مع رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB)، بمشاركة روكيتسان ومعهد “توبيتاك سيج” (TÜBİTAK SAGE) وشركة MKE. وسبق أن تناولت “دفنس أرابيا” تفاصيل مكوّنات هذه المنظومة ومداها في تقرير مستقل عن القبة الفولاذية التركية، كما نشر موقع إنفانتر ميديا مقارنة تفصيلية بينها وبين القبة الحديدية الإسرائيلية من حيث المديات والتكلفة.
سلسلة عقود متسارعة خلال عام واحد
لا يمثل العقد الجديد الأول من نوعه، بل يأتي ضمن سلسلة إعلانات متتالية عبر KAP رفعت فاتورة برنامج القبة الفولاذية بشكل ملحوظ خلال العام الماضي:
| التاريخ | قيمة العقد | ملاحظات |
|---|---|---|
| سبتمبر/أيلول 2025 | 1.65 مليار يورو | تسليمات 2027-2031 |
| نوفمبر/تشرين الثاني 2025 | 1.122 مليار يورو | اتفاقية إنتاج تسلسلي، تسليمات 2027-2030 |
| 17 يونيو/حزيران 2026 | 780 مليون يورو (نحو 900 مليون دولار) | تسليمات 2028-2032، بحسب Breaking Defense |
| 10 يوليو/تموز 2026 | 1.47 مليار يورو | توسعة لبرامج إنتاج قائمة أصلاً |
| 23 سبتمبر/أيلول 2026 | 1.234 مليار يورو | العقد موضوع هذا التقرير |
وبجمع القيم المُعلنة رسمياً عبر KAP منذ سبتمبر/أيلول 2025 وحتى اليوم، يتجاوز إجمالي عقود القبة الفولاذية المُفصح عنها علنياً حاجز 6.25 مليار يورو، وهو رقم لا يشمل عقوداً أخرى قد تكون غير معلنة أو مصنّفة، ما يعكس وتيرة استثمار غير معتادة في برنامج دفاعي وطني واحد خلال عام واحد تقريباً.
أسيلسان وروكيتسان: شراكة لا منافسة
تُعدّ أسيلسان أكبر شركة إلكترونيات دفاعية في تركيا، وتتولى قيادة تطوير الرادارات وأنظمة القيادة والسيطرة والاستشعار الكهروضوئي ضمن القبة الفولاذية. أما روكيتسان فهي الجهة الرئيسية لتطوير وتصنيع الصواريخ والذخائر الموجّهة في تركيا، وهي شريك تقني أساسي في عائلة صواريخ “هيسار” وفي منظومة “سيبر” بعيدة المدى. وتجمع الشركتين شراكة صناعية ممتدة لأكثر من عقد ونصف في برامج الدفاع الجوي التركية، إذ تتولى كل منهما مكوّناً متكاملاً ضمن منظومة موحدة بدلاً من التنافس على العقد نفسه.
ولمزيد من التفاصيل حول خريطة الشركات والأسلحة الرئيسية في الصناعة الدفاعية التركية، سبق أن نشرت “دفنس أرابيا” دليلاً شاملاً عن الصناعة الدفاعية التركية.
لماذا يهم هذا التطور العالم العربي؟
يأتي هذا التوسع في الإنفاق التركي على الدفاع الجوي في وقت تعيد فيه دول خليجية عدة تقييم بنية دفاعها الجوي، على وقع أشهر من التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما دفع دولاً مثل السعودية وقطر والكويت والإمارات إلى تسريع الاستثمار في شبكات دفاع جوي متعددة الطبقات، غالباً عبر منظومات أمريكية كباتريوت وثاد، على النحو الذي فصّله تقرير أمريكي رسمي حول شبكة الدفاع الجوي الخليجية المتكاملة. غير أن تركيا تحاول تقديم نفسها كخيار تكميلي أو بديل جزئي في هذه المعادلة.
التقى وزير الدفاع القطري الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني نظيره التركي يشار غولر في أنقرة أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث عرضت تركيا على الدوحة منظومة القبة الفولاذية بمكوّناتها المختلفة من “سُنغُر” و”قورقوت” وصولاً إلى “سيبر”، وفق ما ذكره موقع Army Recognition. وما تزال الدوحة، بحسب المصدر نفسه، في طور “تقييم” العرض التركي دون التوصل إلى قرار نهائي حتى الآن، في وقت تملك فيه مجموعة برزان القطرية القابضة حصة 49.9% في مصنع جديد لشركة BMC التركية، ما قد يمهّد لاحقاً لإنتاج مشترك أو محلي لبعض عناصر المنظومة.
بالنسبة لصناعة الدفاع التركية عموماً، يرسّخ كل عقد جديد بهذا الحجم قدرة أنقرة على الإنتاج التسلسلي الكثيف لمكوّنات الدفاع الجوي، وهو عامل يزن كثيراً في أي مفاضلة يجريها عميل خليجي محتمل بين خيار أمريكي أو أوروبي يخضع لقيود تصدير وأولويات تسليم صارمة، وخيار تركي يعد، نظرياً على الأقل، بمرونة أكبر في نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك. ومع ذلك، يبقى القبة الفولاذية حتى الآن منظومة قيد الإثبات الميداني الكامل، ولم تُختبر بعد في مواجهة تهديدات معقدة بالحجم الذي تختبره منظومات مثل باتريوت أو القبة الحديدية.




